السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

332

مفاتيح الأصول

الثالث أن حصول القطع بصدور جميع ما في الكافي عن الأئمة عليهم السلام للكليني مستبعد إن لم يكن محالا عاديا لأن القطع بالأخبار عادة إما من جهة التواتر أو القرائن المفيدة له وحصول كل منهما له بعيد في العادة ولا كذلك الظن بذلك فلو حمل عبارة الكليني على الأول لزم مخالفة العادة وأما لو حمل على الثاني فليس فيه مخالفة لها وهو إن لم يكن أولى فلا أقل من المساواة الرابع أنه قد شاع بين العلماء الأخيار بنحو ما أخبر به الكليني مع عدم قطعهم بما أخبروا به وبالجملة قد شاع منهم استعمال صيغة الإخبار في مقام الظن بالخبر بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة عند أكثر المحققين ولا يقال لو صح الاحتمال الثاني وكان مراد الكليني للزم أن يكون عاملا بالظن وهو باطل لوجوه الأول أن المعروف من طريقة المتقدمين ترك العمل بالظن حتى أن بعضهم ادعى أن العمل به محال عقلا الثاني إن في عبارته ما يدل على عدم جواز العمل بالظن وهو قوله والأمر في الشاك المؤدي بغير علم ولا بصيرة إلى الله عز وجل إن شاء تطول عليه فقبل عمله وإن شاء رد عليه لأن الشرط عليه من الله عز وجل أن يؤدي المفروض بعلم وبصيرة ويقين ثم قال لأن الذي يؤدي بغير علم وبصيرة لا يدري ما يؤدي وإلى من يؤدي الثالث اقتصاره على نقل الحديث وعدم تمسكه في الأحكام الشرعية بالأمارات الظنية من الإجماع والشهرة والاستقراء لأنا نقول بطلان اللازم ممنوع وتلك الوجوه لا تصلح لإثباته أما الأول فللمنع من أن طريقة المتقدمين عدم جواز العمل بالظن مطلقا كيف والعلم بجميع الأحكام الشرعية مما يمكن أن يدعى محاليته عادة ومع هذا فاستدلال المرتضى والشيخ وابن زهرة وابن إدريس بظواهر الكتاب والسنة مما لا مساغ إلى إنكاره ولو كان المتقدمون مانعين من العمل بالظن مطلقا لما جاز لأولئك الفحول ذلك نعم الظن الذي لم يقم من الشرع دليل على حجيته لا يجوز العمل به عندهم وكذا عند جميع المتأخرين ولكن هذا غير محتمل بالنسبة إلى الكليني بل المحتمل الظن الذي قام من الشرع دليل على حجيته لا يقال لو كان هذا القسم هو المحتمل لم يكن احتماله قادحا في تأسيس الأصل بما ذكره الكليني لأن تصحيحه الأخبار على فرض صحة هذا الاحتمال من دليل ظني اعتبر شرعا فيجب متابعته لأنا نقول لعل الكليني أخطأ في ذلك الدليل واعتقد ما ليس بدليل دليلا والخطأ ليس بمأمون على غير المعصوم ولهذا اتفق المحققون على الظاهر على أن ما يعتقده عالم دليلا لا يكون دليلا لعالم آخر ولا يجوز العمل بما يفتي به حتى يتبين له كونه حقا وأما الثاني فللمنع من دلالته على ذلك كما أشار إليه جدي رحمه الله قائلا غاية ما يظهر من كلامه علمه بحجية أخباره وصحة العمل بها وكون العمل بالدين بالآثار الصحيحة بل في كلامه مواضع تشهد بأن مراده من أداء الفرائض بالعلم واليقين ليس ما ذكرت بل ما ذكرناه وأدون منه منها استشهاده لما ذكره بقوله من أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال وقوله من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يسلم من الفتن فتأمل ومنها قوله إنك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها ومنها قوله فاعلم يا أخي إنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام اعرضوا على كتاب الله تعالى إلى آخره فتدبر ومنها قوله ونحن لا نعرف ذلك إلا أقله ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى الإمام عليه السلام وقبول ما وسع الأمر فيه بقوله صلى الله عليه وآله بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم ومنها قوله وأرجو أن يكون بحيث [ إلخ ] ومنها قوله ومن أراد الله توفيقه وأن يكون دينه ثابتا مستقرا سبب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله تعالى إلى أن قال ومن أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معارا مستودعا نعوذ بالله منه سبب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة فذلك في المشية إن شاء الله تعالى وتقدس أتم إيمانه وإن شاء سلبه إياه ولا يؤمن عليه أن يصبح مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا لأنه كلما رأى كبيرا من الكبراء مال معه وكلما رأى شيئا استحسن ظاهره فتأمل في جميع هذه المواضع جدا حتى يظهر لك الأمر من كل واحد وإن كان الأمر من بعضها ظاهرا ويشهد أيضا على ما ذكرنا كثير من أحاديث كتابه التي عمله عليها منها ما أورده في باب اختلاف الحديث الأخذ بالنسبة التي لها شواهد من الكتاب مثل رواية ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام حيث سأله عن اختلاف الحديث يرويه من تثق به ومن لا يثق به قال إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله ومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا فالذي جاءكم به أولى به ومثل رواية عمر بن حنظلة حيث قال فإن الحكم ما حكم به أعدلهما الحديث وغيرهما من الأحاديث فتأمل ويشهد أيضا ما أشرنا إليه من أن الكليني قد أكثر من الرواية من غير المعصوم عليه السلام فلاحظ وتأمل ويشهد أيضا كون أخبار الآحاد حجة عند القدماء وكذا بناؤهم على الظن في تصحيح الحديث ويشهد أيضا أن الحديث الذي له شاهد في كتاب الله كان معمولا به عند القدماء حجة كما لا يخفى على المتتبع المطلع بل ربما كان يعد مثل هذا الحديث من القطعيات ويخرجونه من الآحاد وهو صريح كلام الشيخ في العدة وفي أول صار والظاهر منه في أول التهذيب وقال الأجل المرتضى في مسألة ألفها في طريق الاستدلال على فروع الإمامية بعد الإشارة إلى حجية إجماع الإمامية وأنه طريق موصل إلى العلم بها ما هذا لفظه وليس يمتنع مع